محمد بن جرير الطبري

17

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

الكذب ، وذلك قولهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نشهد إنك لرسول الله وهم كاذبون غير مصدقين به ، ولا مؤمنين به ، كما قال جل ثناؤه : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في رجل منهم عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر بلغه عنه ، فحلف كذبا . ذكر الخبر الذي روي بذلك : حدثنا ابن المثني ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدخل عليكم رجل ينظر بعين شيطان ، أو بعيني شيطان " ، قال : فدخل رجل أزرق ، فقال له : " علام تسبني أو تشتمني ؟ " قال : فجعل يحلف ، قال : فنزلت هذه الآية التي في المجادلة : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ والآية الأخرى . القول في تأويل قوله تعالى : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . . . أَيْمانَهُمْ جُنَّةً . . . عَذابٌ مُهِينٌ يقول تعالى ذكره : أعد الله لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود عذابا في الآخرة شديدا . إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا بغشهم المسلمين . ونصحهم لأعدائهم من اليهود . وقوله : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً يقول جل ثناؤه : جعلوا حلفهم وأيمانهم جنة يستجنون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم ، وذلك أنهم إذا أطلع منهم على النفاق ، حلفوا للمؤمنين بالله إنهم لمنهم . فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يقول جل ثناؤه : فصدوا بأيمانهم التي اتخذوها جنة المؤمنين عن سبيل الله فيهم ، وذلك أنهم كفر ، وحكم الله وسبيله في أهل الكفر به من أهل الكتاب القتل ، أو أخذ الجزية ، وفي عبدة الأوثان القتل ، فالمنافقون يصدون المؤمنين عن سبيل الله فيهم بأيمانهم إنهم مؤمنون ، وإنهم منهم ، فيحولون بذلك بينهم وبين قتلهم ، ويمتنعون به مما يمتنع منه أهل الإيمان بالله . وقوله فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ يقول : فلهم عذاب مذل لهم في النار . القول في تأويل قوله تعالى : لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ . . . هُمْ فِيها خالِدُونَ يقول تعالى ذكره : لن تغني عن هؤلاء المنافقين يوم القيامة أموالهم ، فيفتدوا بها من عذاب الله المهين لهم ولا أولادهم ، فينصرونهم ويستنقذونهم من الله إذا عاقبهم . أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يقول : هؤلاء الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ، وهم المنافقون أصحاب النار ، يعني أهلها الذين هم فيها خالدون ، يقول : هم في النار ماكثون إلى غير النهاية . القول في تأويل قوله تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين ذكرهم هم أصحاب النار ، يوم يبعثهم الله جميعا ، فيوم من صلة أصحاب النار . وعني بقوله يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً من قبورهم أحياء كهيئاتهم قبل مماتهم ، فيحلفون له كما يحلفون لكم كاذبين مبطلين فيها ، كما : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، في قوله : فَيَحْلِفُونَ لَهُ قال : إن المنافق حلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً . الآية ، والله حالف المنافقون ربهم يوم القيامة ، كما حالفوا أولياءه في الدنيا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن سماك بن حرب البكري ، عن سعيد بن جبير ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في ظل حجرة قد كاد يقلص عنه الظل ، فقال : " إنه سيأتيكم رجل ، أو يطلع رجل بعين شيطان فلا تكلموه " فلم يلبث أن جاء ، فاطلع فإذا رجل أزرق ، فقال له : " علام تشتمني أنت وفلان وفلان " ؟ قال : فذهب فدعا أصحابه ، فحلفوا ما فعلوا ، فنزلت : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ . وقوله : وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ يقول : ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم بالله كاذبين على شيء من الحق ،